فصل: السنة الحادية عشرة من ولاية خمارويه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة **


 السنة الحادية عشرة من ولاية خمارويه

فيها أرسل خمارويه طغج بن جف إلى غزو الروم فتوجه من طرسوس حتى بلغ طرابزون وفتح ملورية في جمادى الأخرة وفيها غارت المياه بالري وطبرستان فصار الماء يباع ثلاثة أرطال بدرهم وغلت الأسعار وقحط الناس وأكل بعضهم بعضا حتى أكل رجل ابنته وفيها توفي أبن أبي الدنيا واسمه عبد الله بن محمد أبو بكر القرشي البغدادي مولى بني أمية ولد سنة ثمان ومائتين وكان مؤدبًا لجماعة من أولاد الخلفاء منهم المعتضد وابنه المكتفي وكان عالمًا زاهدًا ورعًا عابدًا وله التصانيف الحسان والناس بعده عيال عليه في الفنون التي جمعها وروى عنه خلق كثير وآتفقوا على ثقته وصدقه وأمانته وفيها توفي أبو بكر عبد الله بن محمد بن النعمان الأصبهاني الإمام المتقن‏.‏

وفيها توفى الإمام الفقيه محمد بن إبراهيم بن المواز المالكى‏.‏

أمر النيل في هذه السنة‏:‏ الماء القديم خمس أذرع سواء مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعًا وعشر أصابع‏.‏

السنة الثانية عشرة من ولاية خمارويه على مصر فيها مات فيها في المحرم أمر المعتضد بتغيير نوروز العجم الذي هو افتتاح الخراج وأخره إلى حادي عشر حزيران وسماه النوروز المعتضدي وقصد بذلك الرفق بالرغية ومنع الناس ما كانوا يعملونه في كل سنة من إيقاد النيران وصب الماء على الناس فكان ذلك من أحسن أفعال المعتضد‏.‏

وفيها لليلتين خلتا من المحرم قدم أبن الجصاص بقطر الندى بنت خمارويه صاحب الترجمة إلى بغداد فأنزلت في دار صاعد وكان المعتضد غائبا بالموصل فلما سمع بقدومها عاد إلى بغداد ودخل بها في خامس شهر ربيع الأول بعد أن عمل لها مهما يتجاوز الوصف وفيها قتل خمارويه صاحب الترجمة وقد تقدم ذكر مقتله في ترجمته‏.‏

وفيها توفي عبد الرحمن بن عمر وبن عبد الله بن صفوان بن عمرو الحافظ أبو زرعة النصري الذمشقي كان من أئمة الحفاظ رحل إلى البلاد وكتب الكثير حتى صار شيخ الشام وإمام وقته وكتب عنه خلائق وكانت وفاته بدمشق في جمادى الآخرى وفيها توفي محمد ابن الخليفة جعفر المتوكل عم المعتضد وكان فاضلا شاعرا وهو القائل لما أراد أخوه المعتمد الخروج إلى الشام والدنيا مضطربة‏:‏ أقول له عند توديعه وكل بعبرته مبلس لئن بعدت عنك أجسامنا لقد سافرت معك الأنفس وفيها توفي محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عمارة بن القعقاع أبو قبيصة الضبي‏.‏

كان صالحًا عابدًا مجتهدًا سمع من سليمان وغيره روى عنه جماعة كثيرة‏.‏

أمر النيل فى هذه السنة‏:‏ الماء القديم خمس أذرع سواء مثل الماضية مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعًا واثنتان وعشرون إصبعًا‏.‏

ولاية أبي العساكر جيش هو أبو العساكر جيش بن أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ولي مصر والشأم بعد قتل أبيه خمارويه بدمشق في يوم سابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين فأقام بدمشق أياما ثم عاد إلى ديار مصر ودام بها إلى أن وقع منه أمور أنكرت عليه فاستوحش الناس منه وكان لما مات أبوه تقاعد عن مبايعته جماعة من كبار القواد لقلة المال وعجزه عن أن ينعم عليهم لأن أبا الجيش خمارويه كان أنفق في جهاز ابنته قطر الندى لما زوجها للخليفة المعتضد جميع ما كان في خزائنه ومات بعد ذلك بمدة يسيرة قال بعضهم فمات حقا حين حاجته إلى الموت لأنه لو عاش أكثر من هذا حتى يلتمس ما كانت جرت عادته به لاستصعب ذلك عليه ولو نزلت به ملمة ولما تقاعد كبار القواد عن بيعة جيش تلطف بعض القواد في أمره حتى تمت البيعة وبايعوه وهو صبي لم يؤدبه الزمان ولا محنه التجارب والعرفان وقد قيل بعيد نجيب ابن نجيب من نجيب فلما تم أمر جيش المذكور أقبل على الشرب واللهو مع عامة أوباش منهم غلام رومي لا وزن له ولا قيمة يعرف ببندقوش ورجلان من عامة العيارين الذين يحملون الحجارة الثقال والعمد الحديد ويعانون الصراع أحدهما يعرف بخضر والثاني يعرف بابن البواش وغير هؤلاء من غلمان لم يكن لهم حال جعلهم بطانته فأول شيء حسنوه له أن وثبوه على عمه أبي العشائر فقالوا له‏:‏ هذا يرى نفسه أنه هو الذي رد الدولة يوم الطواحين لما انهزم أبوك وكان يقرع أباك بهزيمته يومئذ ويذيع ذلك عند خاصته ويقولون أيضًا إنه هو الذي هم بالوثوب حتى صنع أهل برقة فيه ماصنعوا ويتلفت إلى أهل برقة ويرى أنهم أعداؤه ويتربص بهم أن تدول له دولة فيأخذ بثأره منهم فهويتلمظ إلى الدولة وإلى ما في نفسه مما ذكرناه والمنايا تتلمظ إليه كما قال الشاعر‏:‏ تلمظ السيف من شوق إلى أنس والموت يلحظ والأقدار تنتظر فعند ذلك قبض عليه جيش هذا ودس إليه من قتله ثم قال عنه إنه مات حتف أنفه وتحقق الناس قتله فنفرت القلوب عنه أيضًا لكونه قتله بغيا عليه وتعديا ثم آشتغل بعد ذلك جيش بهذه الطائفة المذكورة عن حقوق قواد أبيه وعن أحوال الرعية وكانت القواد أمراء شدادا يرون أنفسهم بعينها في التقديم والرياسة والشجاعة وإنما كان قبضهم أبوه خمارويه بجميل أفعاله وكريم مقدماته إليهم ولسعة الإفضال عليهم وهم مثل خاقان المفلحي ومحمد بن إسحاق بن كنداج ووصيف بن سوارتكين وبندقة بن لمجور وأخيه محمد بن لمجور وابن قراطغان ومن أشبههم ثم آنتقل من هذا إلى أن صار إذا أخذ منه النبيذ يقول لطائفته التي ذكرناها واحدا بعد واحد‏:‏ غدا أقلدك موضع فلان وأهب لك داره وأسوغك نعمته فأنت أحق من هؤلاء الكلاب كل ذلك ومجالسه تنقل إليهم فعند ذلك بسط القواد ألسنتهم فيه وشكا القواد بعضهم إلى بعض مايلقونه منه فقالوا نفتك به ولانصبر له على مثل هذا وبلغه الخبر فلم يكتمه ولم يتلاف القضية ولا شاور من يدله على مداواة أمره بل أعلن بما بلغه عنهم وتوعدهم وقال‏:‏ لاطلقن الرجالة عليهم ولأفعلن بهم فاتصلت بهم مقالته فآعتزل من عسكره كبار القواد من الذين سميناهم مثل ابن كنداج وطبقته وخرجوا في خاصة غلمانهم وهي زهاء ثلاثماْئة غلام وساروا على طريق أيلة وركبوا جبل الشراة حتى وصلوا إلى الكوفة بعد أن نالهم في طريقهم كد شديد ومشقة وكادوا أن يهلكوا عطشا واتصلت أخبارهم بالخليفة المعتضد ببغداد فوجه إليهم بالزاد والميرة والدواب وبعث إليهم من يتلقاهم وقبلهم أحسن قبول وأجزل جوائزهم وضاعف أرزاقهم وخلع عليهم وصنع في أمرهم كل جميل والمعتضد هذا هو صهر جيش صاحب الترجمة وزوج أخته قطر الندى المقدم ذكرها في ترجمة أبيها خمارويه وآستمر جيش هذا مع أوباشه بمصر وبينما هوفي ذلك ورد عليه الخبر بخروج طغج بن جص أمير دمشق عن طاعته وخروج آبن طغان أمير الثغور أيضًا وأنهما خلعاه جميعا وأسقطا آسمه من الدعوة والخطبة على منابر أعمالهم فلم يكربه ذلك ولا آستشنعه ولارئي له على وجهه أثر فلما رأى ذلك من بقي من غلمان أبيه بمصر مشى بعضهم إلى بعض وتشاوروا في أمره فاجتمعوا على خلعه وركب بعضهم وهجم عليه غلام لأبيه خزري يقال له برمش فقبض عليه وهم بقتله ثم كف عنه فلما كان من الغد آجتمع القواد في مجلس من مجالس دار أبيه وتذاكروا أفعلاله وأحضروا معهم عمول البلد وأعادوا لهم أخباره وقالوا لهم‏:‏ ما مثل هذا يقلد شيئا من أمور المسلمين وأحضروه لأن جماعة من غلمان أبيه يعني ممالكيه قالوا‏:‏ لانقفد غيره حتى يحضر ونسمع قوله فإن وعد برجوع وتاب من فعله أمهلناه وجربناه وإن أقر بعجزه عن حمل ما حمل وجعلنا في حل من بيعته بايعنا غيره على يقين وعلى غير إثم فأحضروه فاعترف أنه يعجز عن القيام بتدبير الدولة وأنه قد جعل من له في عنقه بيعة في حل وعمل بذلك محضر شهد فيه عدول البلد ووجوهه ومن حضر من القواد والغلمان أعني المماليك وصرفوه وكان قبل القبض عليه ركبوا إلى أبي جعفر بن أبى وقالوا له‏:‏ أنت خليفة أبيه وكان ينبغي لك أن تودبه وتسدده فقال لهم‏:‏ قد تكلمت جهدي ولكن لم يسمع مني وبعد فتقدموني إليه فتسمعون ما أخاطبه به فتقدموه وركب من داره فلما جاوز داره قليلا لقيه برمش فضرب بيده على شكيمة فرسه وقال له‏:‏ أنت خليفة أبيه وخليفته ونصف ذنبه لك وجره جرًا وبينما هو في ذلك إذ أقبل علي بن أحمد فقبض على الآخر وقال له‏:‏ أنت وزيره وكاتبه وعليك ذنبه لأنه كان يجب عليك تقويمه وتعريفه ما يجب عليه فصعد بالاثنين جميعا إلى المنظر وقعد معهما كالملازم وبينما هوعلى ذلك إذ خطر على قلبه شيء فقام إلى دابته وتركهما ومضى نحو باب المدينة فوثب من فوره آبن أبى إلى دابته وركبها وقال لعلي بن أحمد‏:‏ آركب وآلحقني وحرك دابته فإنه كان أحس الموت ثم جاءه الخلاص من الله وركب بعده علي بن أحمد فلم يتجاوز المنظر حتى لحقه طائفة من الرجالة فقتلوه ومر ابن أبى إلى نحو المعافر فتكفن هناك وآختفى وعاد برمش فلم يجد ابن أبى فمضى من فوره وهجم على جيش وقبض عليه حسبما ذكرناه من خلعه وحبسه وورى جثة علي بن أحمدة وسلم آبن أبى‏.‏

فقال بعضهم في علي بن أحمد‏:‏ المجتث أحسن إلى الناس طرا فأنت فيهم معان وآعلم بأنك يومًا كما تدين تدان وقيل في أمر جيش المذكور وجه آخر وهو أنه لما وقع من أمر القواد ما وقع خرج أبو العساكر جيش إلى متنزه له بمنية الأصبغ غير مكترث بما وقع له وبينما هو في ذلك ورد عليه الخبر بوثوب الجند عليه وقالوا له‏:‏ لا نرضى بك أبدا فتنح عنا حتى نولي عمك نصربن أحمد بن طولون فخرج إليهم كاتبه علي بن أحمد الماذرائي الذي تقدم ذكر قتله وسألهم أن ينصرفوا عنه يومهم فآنصرفوا فقام جيش المذكورمن وقته ودخل على عمه نصر وكان في حبسه فضرب عنقه وعنق عمه الاخر ورمى برأسيهما إلى الجند وقال‏:‏ خذوا أميركم فلما رأوا ذلك هجموا عليه وقتلوه وقتلوا أمه معه ونهبوا داره وأحرقوها وأقعدوا أخاه هارون بن خمارويه في الإمرة مكانه ثم طلب علي بن أحمد الماذرائي كاتبه المقدم ذكره وقتلوه وقتلوا أيضًا بندقوش وابن البواش ونهبت دار جيش فوقع في أيدي الجند من نهبها مايملأ قلوبهم وعيونهم حتى إن بعضهم من كثرة ماحصل له ترك الجندية وسكن الريف وصار من مزارعيه وتجاره وقال العلامة شمس الدين يوسف ابن قزأوغلي في مرآة الزمان وجها آخر في قتل جيش هذا فقال ولي إمرة دمشق بعد موت أبيه بمدة يسيرة ثم خرج إلى مصر في هذه السنة يعني سنة ثلاث وثمانين ومائتين واستعمل على دمشق طغج بن جف فلما دخل إلى مصر لم يرض به أهلها وقالوا‏:‏ نريد أبا العشائر هارون فوثب عليه هارون فقتله في جمادى الأخرة وكانت ولايته خمسة أشهر واستولى على مصر قال ربيعة بن أحمد بن طولون‏:‏ لما قتل أخي خمارويه ودخل ابنه جيش مصر قبض علي وعلى عميه نصر وشيبان ابني أحمد بن طولون وحبسهما في حجرة معي في الميدان وكان كل يوم تأتينا المائدة عليها الطعام فكنا نجتمع عليها فجاءنا يوما خادم فأخذ أخانا نصرا فأدخله بيتا فأقام خمسة أيام لا يطعم ولا يشرب والباب عليه مغلق فدخل علينا ثلاثة من أصحاب جيش وقالوا أمات أخوكما فقلنا لا ندري فدخلوا عليه البيت فرماه كل واحد منهم بسهم في مقتل فقتلوه وكانت ليلة الجمعة فأخرجوه ثم أغلقوا علينا الباب وبقينا يوم الجمعة ويوم السبت لم يقدموا إلينا بطعام فظننا أنهم يسلكون بنا مسلك أخينا فلما كان يوم الأحد سمعنا صراخا في الدار وفتح باب الحجرة علينا وأدخل علينا جيش بن خمارويه فقلنا‏:‏ ما حالك فقال‏:‏ غلبني أخي هارون على البلد وتولى الإمارة فقلنا الحمد لله الذي قبض يدك وأضرع خدك فقال ما كان عزمي إلا أن ألحقكما بأخيكما ثم جاء الرسول وقال‏:‏ الأمير هارون قد بعث إليكما بهذه المائدة وكان في عزم جيش أن يلحقكما بأخيكما نصر فقوما إليه فاقتلاه وخذا بثأركما منه وآنصرفا على أمان قال‏:‏ فلم نقتله وآنصرفنا إلى منازلنا وبعث هارون خدما فقتلوه وكفينا أمر عدونا انتهى كلام أبي المظفر‏.‏

قلت‏:‏ وكان خلع جيش لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وكانت ولايته ستة أشهر واثني عشر يومًا وقتل في السجن بعد خلعه بأيام يسيرة‏.‏

بن خمارويه على مصر على أنه حكم من الماضية شهرًا وأيامًا وهذه السنة سنة ثلاث وثمانين ومائتين‏:‏ فيها قدم رسول عمرو بن الليث الصفار على الخليفة المعتضد العباسي من خراسان بالهدايا والتحف وفيها مائتا جمل ومائتا حمارة ومن الطرائف شيء كثير منها‏:‏ صنم على خلقة آمرأة كان قوم من الهند في مدينة يقال لها‏:‏ أيل شاه كانوا يعبدونها وفيها خرج جماعة من قواد مصر إلى المعتضد منهم محمد بن إسحاق وخاقان البلخي وبدر بن جف وسبب قدومهم إلى المعتضد أنهم كانوا أرادوا أن يقتلوا جيش بن خمارويه المذكور فسعي بهم إليه وكان راكبا كانوا في موكبه وعلموا أنه قد علم بهم فخرجوا من وقتهم وسلكوا البرية وتركوا أموالهم وأهاليهم فتاهوا أياما ومات منهم جماعة من العطش ثم خرجوا على طريق الكوفة فبلغ أمرهم الخليفة المعتضد فأرسل إليهم الأطعمة والدواب ثم وصلوا بغداد فأكرمهم المعتضد وقربهم وفيها توقي إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم أبوإسحاق الثقفي السراج النيسابوري كان الإمام أحمد بن حنبل يزوره في منزله لزهده وورعه‏.‏

وفيها توفي سهل بن عبد الله بن يونس أبو محمد التستري أحد المشايخ ومن أكابر القوم والمتكلم في علوم الإخلاص والرياضات وكان كبير الشأن‏.‏

وفيها توفي صالح بن محمد بن عبد الله الشيخ أبو الفضل الشيرازي البغدادي كان رجلا صالحا ختم القرآن أربعة آلاف مرة‏.‏

وفيها توفي عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش أبو محمد الحافظ البغدادي أقام بنيسابور مدة مستفيدًا من محمد بن يحيى الذهلي وغيره وسمع منه جماعة وكان أوحد زمانه وفريد عصره‏.‏

وفيها توفي علي بن العباس بن جريج أبو الحسن الشاعر المشهور المعروف بابن الرومي مولى عبيد الله بن عيسى بن جعفر كان فصيحا بليغا وهو أحد الشعراء المكثرين في الغزل والمدح والهجاء قال صاحب المراة‏:‏ إنه مات في هذه السنة‏.‏

وقال ابن خلكان توفي ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وقيل أربع وثمانين وقيل سنة ست وسبعين‏.‏

وهذه الأقوال أثبت من قول صاحب المرآة انتهى ومن شعره ولم يسبق إلى هذا المعنى‏:‏ آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم في الحادثات إذا دجون نجوم منها معالم للهدى ومصابح تجلو الدجى والأخريات رجوم وله من قصيدة الكامل وإذا آمرؤ مدح آمرأ لنواله وأطال فيه فقد أراد هجاءه ويحكى أن لائما لامه وقال له‏:‏ لم لا تشبه تشبيه آبن المعتز وأنت أشعر منه قال له أنشدني شيئا من شعره أعجز عن مثله فأنشده صفة الهلال الكامل فآنظر إليه كزورق من فضة قد أثقلته حمولة من عنبر فقال آبن الرومي زدني فأنشده مجزوء الرجز‏:‏ كأن آذريونها والشمس فيه كاليه مداهن من ذهب فيها بقايا غاليه فقال ابن الرومي واغاثاه لا يكلف الله نفسا إلأ وسعها ذلك إنما يصف ماعون بيته لأنه آبن الخلفاء وأنا مشغول بالتصرف في الشعر وطلب الرزق به أمدح هذا مرة وأهجو هذا كرة وأعاتب هذا تارة وأستعطف هذا طورا ‏"‏ انتهى وفيها توفي علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي البصري قاضي القضاة أبو الحسن كان ولي القضاء بسرمن رأى وكان عالما عفيفا ثقة وفيها توفي الوليدبن عبيدبن يحيى أبن عبيد بن شملال أبو عبادة الطائي البحترفي الشاعر المشهور أحد فحول الشعراء وصاحب الديوان المعروف به كان حامل لواء الشعر في عصره مدح الخلفاء والوزراء والملوك وأصله من أهل منبج وقدم لدشق صحبة المتوكل ووصل إلى مصر إلى خمارويه‏.‏

حكي أن المتوكل قال له يوما يابحتري قل في راح بيت شعر ولاتصرح باسمه فقال مجزوء الرمل‏:‏ اسم من أهواه في شعري مقلوب مصحف ومن شعره في المتوكل أيضًا من قصيدة الكامل‏:‏ فلو أن مشتاقًا تكلف غير ما في وسعه لسعى إليك المنبر فلما تخلف المستعين قال لا أقبل إلا ممن قال مثل هذا قال أبو جعفر أحمد بن يحيى البلاذري فأنشدته الطويل ولو أن برد المصطفى إذ لبسته يظن لظن البرد أنك صاحبه وقال وقد أعطيته ولبسته نعم هذه أعطافه ومناكبه وله الطويل‏:‏ شكرتك إن الشكر للعبد نعمة ومن شكر المعروف فآلله زائده لكل زمان واحد يقتدى به وهذا زمان أنت لا شك واحده الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي سهل بن عبد الله التستري الزاهد والعباس بن الفضل الأسفاطي وعلي بن محمد بن عبد الملك ابن أبي الشوارب القاضي ومحمد بن سليمان الباغندي‏.‏

أمر النيل في هذه السنة‏:‏ ولاية هارون بن خمارويه هو الأمير أبو موسى هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون التركي الأصل المصري المولد‏.‏

ولي مصر بعد قتل أخيه جيش بن خمارويه في اليوم العاشر من جمادى الاخرة سنة ثلاث وثمانين ومائتين وتم أمره وكانت بيعته من غير عطاء للجند وهو من الغرائب وبايعوه طوعا أرسالا ولم يمتنع عليه أحد وجعلوا أبا جعفر بن أبى خليفته والمؤيد لأمره ولتدبيره وسكنت ثائرة الحرب وقر قرار الناس وقتل غالب أصحاب جيش ولم يسلم منهم إلا عبد الله بن الفتح واستتر أبو عبد الله القاضي خوفا من مثل مصرع علي بن أحمد لأنه يعلم ما كان له في نفوس الناس وماظهر إلافي اليوم الذي دخل فيه محمد بن سليمان البلد وقلد القضاء بعده أبوزرعة محمد بن عثمان من أهل دمشق‏.‏

وأخرج جيش بعد أيام ميتا ثم بعد أيام أمر أبو جعفر بن أبى ربيعة بن أحمد بن طولون أن يخرج إلى الإسكندرية فيسكنها هو وولده وحريمه ويبعد عن الحضرة فتوجه إلى الإسكندرية وأقام بها على أجمل وجه إلى أن حركه أجله وكاتبه قوم ووثبوه وقالوا له‏:‏ أنت رجل كامل مكمل التدبير وقد تقلدت البلدان وأحسنت سياستها ولوكشفت وجهك لتبعك أكثر الجيش فأطاعهم وأقبل ركضا فسبق من كان معه فلم يشعر الناس به إلا وهو بالجبل المقطم وحلى ومعه غلام له نوبي وبيده مطرد ينشد الناس لنفسه ويدعوهم إلى ما كاتبوه وآتصل خبره بآبن أبى فبعث النقباء الى الناس وأمرهم بالركوب فركب الناس وأقبلوا يهرعون من كل جانب‏.‏

ونزل ربيعة مدلا بنفسه وكان من الفرسان طمعا فيمن بقي له ممن كاتبه فلم يأته أحد وسار وحده وفر عنه من كان معه أيضًا وبقي كالليث يحمل على قطعة قطعة فينقضها وتنهزم منه حتى برز له غلام أسود خصي يعرف بصندل المزاحمي مولى مزاحم بن خاقان الذي كان أميرا على مصر وقد تقدم ذكره فحمل عليه ربيعة فرمى صندل بنفسه إلى الأرض وقال له‏:‏ بتربة الماضي فكف عنه وقال له‏:‏ امض الى لعنة الله‏.‏

ثم برز إليه غلام آخر يعرف بأحمد غلام الكفتي والكفتي أيضًا كان من جملة قوادهم فحمل عليه ربيعة فقتله‏.‏

وأقبل ربيعة يحمل على الناس ميمنة وميسرة ويحملون عليه بأجمعهم فيكمونه ويرثونه إلى الصحراء ثم يرجع عليهم فيردهم إلى موضعهم فلم يزل هذا دأبه إلى الزوال فتقطر عن فرسه فأكبوا عليه ورموا بأنفسهم عليه حتى أخذوه مقانصة فآعتقل يومه ذلك فلما كان من الغد أمر أن يضرب مائة سوط ووكل به الكفتي القائد ليأخذه بثأرغلامه فكان الكفتي يحض الجلادين ويصيح عليهم ويأمرهم بأن يوجعوا ضربه حتى استرخى وقيل‏:‏ إنه مات فقال الكفتي‏:‏ هيهات‏!‏ لحم البقر لا ينضج سريعا‏!‏ فضرب أسواطًا بعد موته ثم أمر به فدفن في حجرة بقرب من بئر الجلودي ومنع أن يدفن مع أهله‏.‏

فلما كان من غد يوم دفنه بلغ سودان أبيه أن الكفتي قال‏:‏ لحم البقر لا ينضج سريعا وأنه ضربه بعد أن مات أسواطا فغاظهم ذلك وحركهم عليه وزحفوا إلى داره وبلغه الخبر فتنحى عنها فجاؤوا داره فلم يجدوه فنهبوا داره ولم يكن له علم بذلك فأخفوا منها شيئا كثيرا حتى تركت حرمته عريانة في البيت لا يواريها شيء‏.‏

ورجع الكفتي إلى داره فرأى نعمته قد سلبت وحرمته قد هتكت فدخل قلبه من ذلك حسرة فمات كمدا بعد أيام‏.‏

وثبت ملك هارون هذا وهو صبي يدبر ولا يحسن أن يدبر والأمر كله مردود إلى أبى جعفر بن أبى يدبر كما يرى‏.‏

فلما رأى غلمان أبيه الكبار الأمر كله لأبي جعفر وهم بحر وفائق وصافي قبض كل منهم على قطعة من الجيش وحازها لنفسه وجعلها مضافة له يطالب عنهم ما يستحقونه من رزق وجراية وغيرها وسأل أن يكون ما لهم محمولا إلى داره يتولى هو عطاءهم فصار عطاء كل طائفة من الجند إلى دار الذي صارت في جملته وصاروا له كالغلمان‏.‏

ثم خرج بدر القائد والحسن بن أحمد الماذرائي إلى الشأم فأصلحوا أمرها واستخلفوا على دمشق من قبل هارون المذكور الأمير طغج بن جف وقرروا جميع أعمال الشامات ثم عادوا إلى مصر‏.‏

ثم حج بدر المذكور في السنة وأظهر زيا حسنا وأنفق نفقة كثيرة وأصلح من عقبة أيلة جرفا كبيرًا‏.‏

على كل ما فعله بدر وكان دأبهم المنافسة في حسن الزي وبسط اليد بالإنفاق في وجوه البر‏.‏

وبنى بد الميضأة المعروفة به على باب الجامع العتيق ووقف عليها القيسارية الملاصقة لها وجعل مع الميضأة ماء عذبا في كيزان توضع في حلقة من حلق المسجد وكان صاحب صدقات بدر رجل يعرف بالليث بن داود فكان الشخص يرى المساكين زمرا زمرا يتلو بعضهم بعضا ينادون في الطريق‏:‏ دار الليث دار الليث فيعطيهم الليث الدراهم واللحم المطبوخ ويكسوهم في الشتاء الجباب الصوف ويفرق فيهم الأكسية وتم ذلك أيام حياة بدر كلها وكان لصافي وفائق أيضًا عمال مثل ذلك وأكثر‏.‏

قال محمد بن عاصم العمري وكان من علماء الناس قال‏:‏ صرت إلى مصر فلم يحتف بي أحد غير أبي موسى هارون بن محمد العباسي فصار يحضر لي مائدة ويباسطني في محادثته وحملني ذلك على أن آستحييته فقال لي‏:‏ أنا أعرف بصدقك فيما ذكرت وليس يرضيني لك ما ترى لأن هذه أشياء تقصر عن مرادي ولكني سأقع لك على موضع يرضيك ويرضيني فيك ودام على ذلك مدة لا يقطع عني عادته إلى أن توفي لهارون صاحب مصر ولد صغير فبادر هارون بإخراجه والصلاة عليه وصرنا به إلى الصحراء‏.‏

فما وضع عن أعناق حامليه حتى أقبل موكب عظيم فيه بحر وفائق وصافي موالي أبي الجيش خمارويه ومحمد بن أبى وجماعة فقالوا‏:‏ نصلي عليه فقال هارون‏:‏ قد صليت عليه فقالوا‏:‏ لا بد أن نصلي عليه فقال هارون بن محمد العباسي‏:‏ ادعوا إلي محمد بن عاصم العمري وكنت في أخريات الناس فلم يزالوا قياما ينتظرونني حتى أتيت فقال لي‏:‏ صل بهم فصليت بهم وآنصرفنا فلما كان بعد يومين قال لي‏:‏ قد عرفت بك هؤلاء القوم فامض إليهم فإنك تنال أجرا كبيرا قال‏:‏ فصرت إلى أبوابهم وسلمت عليهم فلم يمض أقل من شهر حتى نالني منهم مال كثير وحسنت حالي إلى الغاية ثم ذكر عن هؤلاء القوم من هذه الأشياء نبذا كثيرة‏.‏

وأما أمر هارون صاحب الترجمة فإنه لما تم أمره صار أبوجعفربن أبىهو مدبر مملكته‏.‏

وكان أبوجعفر عنده دهاء ومكر فبقي في قلبه أثر مما فعله برمش من يوم خلع جيش وقتل علي بن أحمد وكان من القواد رجل يعرف بسمجور قد قلد حجابة هارون فبسط لسانه في ابن أبى المذكور وحرك عليه القواد وبلغ ذلك ابن ابى فقال لهارون‏:‏ احفر سمجور هذا وهارون صبي فلم يتحمل ذلك ودخل القواد في شهر رمضان يفطرون عنده وكان سمجور فيهم فلما نجز أمرهم وخرجوا استقعد سمجور وقال له‏:‏ يا سمجور أنت مدسوس إلي وأنا مدسوس إليك وتريد كيت وكيت وغمز غلمانه عليه فقبضوا عليه واعتقله في خزانة من خزائنه فكان ذلك اخر العهد به‏.‏

وأما برمش فإن أبا جعفربن أبى خلا به وقال له‏:‏ ويحك ألاترى ما نحن فيه مع هؤلاء القوم انقلبت الدولة رومية ما لنا معهم أمر ولانهي‏.‏

وكان برمش خزريا أحمق فبسط لسانه في بدر وغيره من الأروام فنقل إليهم‏.‏

وكان بدر أخلاقه كريمة وكان من أحسن خلقه أن الرجل إذا قبل فخده يقبل هورأس الرجل فدس له برمش غلاما فوقف له على الباب فلما خرج بدر أقبل عليه الغلام وقبل فخده فانكب بدر على رأسه فضربه الغلام في رأسه فشجه وقبض على الغلام الأسود فقال‏:‏ دسني برمش فغضب له الناس وركبوا قاصدين دار برمش فعرف برمش الأمر فركب لحماقته وأمر غلمانه وحواشيه فركبوا وخرجوا إلى الموضع المعروف ببئر برمش وكان هو الذي آحتفرها وبناها وصف هناك مماليكه فركب في الحال آبن أبى لما في نفسه من برمش قديما وقد تم له ما دبره عليه وقال لهارون‏:‏ هذا غلامك برمش قد خرج عليك فأرسل بالقبض عليه ثم قال‏:‏ الصواب أن تخرج بنفسك إليه في مماليكك وتبادر الأمر قبل أن يتسع ويعسر أمره فركب هارون في دسته فلم يبق أحد إلاركب بركوبه فلما رأى برمش ذلك تأهب لقتالهم وأخذ قوسه وبادرأن يرمي به فقالوا له‏:‏ مولاك ويلك مولاك الأمير فقال‏:‏ أروني إن كان هو مولاي لم أقاتله وإن كان هؤلاء الأروام أقاتلهم كلهم ونموت جميعا فلما رأى الأمير هارون رمى بنفسه عن دابته إلى الأرض فغمز آبن ابى الرجالة عليه فتعاوروه بأسيافهم حتى قتل ونهبت داره ورجع هارون إلى دار الإمارة ثم بعد مدة قدم هارون القائد لحجا وكان من أصاغر القواد لأبي الجيش خمارويه وبلغه مراتب غلمان أبيه الكبار فغاظ ذلك بحرًا وصافيًا وفائقا لأنهم كانوا يرون نفوسهم أحق بذلك منه‏.‏

ثم بعد ذلك نفى هارون صافيا إلى الرملة فتأكدت الوحشة بينهم وبين هارون وبينما هم في ذلك أتاهم الخبر أن رجلا يزعم أنه علوي قد ظهر بالشأم في طائفة من الناس فعاث أولا بنواحي الرقة ثم قدم الشأم فاتصل خبره بطغج بن جف وهو يومئذ أمير دمشق فتهاون به وركب إليه وهويظن أنه من بعض الأعراب بغير أهبة ولا عدة ومعه البزاة والصقورة كأنه خارج إلى الصيد فلما صافه لقيه رجلا متلهفًا على الشر لما تقدم له من الظفر بجماعة من أعيان الملوك فقاتله طغج فانهزم منه أقبح هزيمة ونهبت عساكره وعاد طغج إلى دمشق مكسورا فدخل قلوب الشاميين منه فزع شديد فكتب طغج إلى هارون هذا يستمده على قتاله فأخرج إليه هارون بدرا الحمامي وجماعة من القواد في جيش كثيف فساروا إلى الشأم وآلتقوا مع الخارجي المذكور وقد لقب بالقرمطي‏.‏

وكان من أصحاب بدر رجل يقال له زهير فحلف زهير المذكور بالطلاق إنه متى وقع بصره على القرمطي ليرمين بنفسه عليه وليقصدنه حيث كان فلما تصاف العسكران سأل زهير المذكورعن القرمطي فقيل له‏:‏ هوالراكب على الجمل وله كمان طويلان يشير بهما فحيث أومأ بكمه حملت عساكره فقال زهير‏:‏ أرى على الجمل آثنين أهو المقدم أم الرديف قالوابل هو الرديف فجعل زهير يشق الصفوف حتى وصل إليه فطعنه طعنة وقطره عن جمله صريعا فلما رآه أصحابه مصروعًا حملوا على المصريين والشاميين حملة واحدة شديدة هزموهم فيها وقتلوا منهم خلقا كثيرا ثم أقاموا عليهم أخا القرمطي ورأسوه عليهم وأقبل زهير المذكور إلى بدر الحمامي فقال له‏:‏ قد قتلت الرجل فقال له بدر فأين رأسه فرجع ليأخذ رأسه فقتل زهير قبل ذلك ثم كانت لهم بعد ذلك وقائع كثيرة والقرمطي فيها هوالظافر فقتل من قواد المصريين وفرسانهم خلق كثير وطالت مقاومته معهم حتى سمع بذلك المكتفي الخليفة العباسي وكان متيقظا في هذا الحال يرى الإنفاق فيه سهلا ويقول المبادرة في هذا أولى فبادر بإرسال جيش كثيف نحوه وجعل على الجيش محمد بن سليمان الذي كان كاتبا للؤلؤ غلام أحمد بن طولون الآتي ذكره في عدة أماكن وسار الجيش نحو البلاد الشامية فلما أحس القرمطي بحركة محمد بن سليمان المذكور من العراق عدل عن دمشق إلى نواحي حمص فقتل منهم مقتلة عظيمة وسبى النساء وعاث في تلك النواحي وعظم شأنه وكثر أعوانه ودعا لنفسه وخطب على المنابر بآسمه وتسمى بالمهدي وكان له شامة زعم أصحابه أنها آيته وزعم أنه عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب‏.‏

ومن شعره في هذا المعنى قوله‏:‏ سبقت يداي يديه قصرته هاشمي المجيد وأنا آبن أحمد لم أقل كذبا ولم به أستزيد ثم بث القرمطي عماله في البلاد والنواحي وكاتبهم وكاتبوه فمن رسائله إلى بعض عماله‏:‏ ‏"‏ من عبد الله المهدي المنصور بالله الناصر لدين الله القائم بدين الله الحاكم بحكم الله الداعي لكتاب الله الذاب عن حرم الله المختار من ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين وإمام المسلمين ومذل المنافقين وخليفة الله على العالمين وحاصد الظالمين وقاصم المعتدين ومهلك المفسدين وسراج المستبصرين وضياء المبصرين ومشتت المخالفين والقيم بسنة المرسلين وولد خير الوصيين صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين إلى جعفربن حميد الكردي سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وسأله أن يصلي على محمد جدي‏.‏

أما بعد ماهو كيت وكيت فهذه صورة مكاتبته إلى الأقطار‏.‏

انتهى‏.‏

وأما محمد بن سليمان الكاتب فإن القاسم بن عبيد الله وزير المكتفي كتب إليه بطلب القرمطي المذكور والجد في أمره فسار محمد بن سليمان بعساكره نحوه فالتقوا بموضع دون حماة وكان القرمطي قد قدم أصحابه أمامه وتخلف هوفي نفر ومعه المال الذي جمعه فوقع بين محمد بن سليمان وبين أصحاب القرمطي وقعة آنهزم فيها أصحاب القرمطي أقبح هزيمة وكان ذلك في المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين فلما علم القرمطي بهزيمة أصحابه أعطى أخاه أمواله وأمره بالنفوذ إلى بعض النواحى التي يأمن على نفسه فيها إلى أن يتهيأ له مايجب ثم مضى هو وابن عمه المدثر وغلام له يسمى المطوق وغلام آخر يسمى دليلا وطلب القرمطي بهم طريق الكوفة وسار حتى آنتهى إلى قرية تعرف بالدالية وعجزوا عن زادهم فدخل أحدهم إلى القرية ليشتري لهم زادا أفأنكروا زيه وسئل عن أمره فمجمج فأعلم المتولي مسلحة هذه الناحية بخبره وهورجل يعرف بأبي خبزة خليفة أحمدبن محمد بن كشمرد فأقبل عليه أبو خبزة المذكور مع أحداث ضيعته فقاتله وكسره وقبض عليه وعلى من معه فانظر إلى هذا الأمر الذي عجز عنه الملوك حتى كانت منيته على يد هذا الضعيف ولله در القائل‏:‏ الطويل وقد يسلم الإنسان مما يخافه ويؤتى الفتى من أمنه وهو غافل‏.‏

فقبض عليه المذكور وكان أمير هذه النواحي القاسم بن سيما فكتب بالخبر إلى الخليفة المكتفي وهو بالرقة وقد كان رحل في أثر محمد بن سليمان وآتفق مع هذا موافاة كتاب محمد بن سليمان إلى القاسم بن عبيد الله بالفتح والنصرة على القرمطي ثم أحضر القرمطي إلى بين يدي الخليفة المكتفي فأخذه الخليفة وعاد هو ووزيره القاسم بن عبيد الله من الرقة إلى بغداد وهوعلى جمل يشهر به في كل بلد يمرون به ومعه أيضًا من أصحاب القرمطي المدثر والمطوق وجماعة من أسارى الواقعة ودخل بهم بغداد وقد زينت بغداد بأفخر الزينة وكان لدخولهم يوم عظيم إلى الغاية فلما كان يوم الاثنين الثالث والعشرون من شهر ربيع الأول جلس الخليفة مجلسا عاما وأحضر القرمطي وأصحابه فقطعت أيديهم وأرجلهم ثم رمي بهم من أعلى الدكة إلى أسفل ولم يبق منهم إلا ذوالشامة أعني القرمطي ثم قدم القرمطي فضرب بالسوط حتى استرخى ثم قطعت يداه ورجلاه ونخس في جنبه بخشب فلما خافوا عليه الموت ضربوا عنقه ثم حضر محمد بن سليمان وخلع عليه الخليفة المكتفي ثم خلع على القواد الذين كانوا معه وهم محمد بن إسحاق بن كنداج وحسين بن حمدان وأحمد بن إبراهيم بن كيغلغ وأبو الأغر ووصيف وأمر الجميع بالسمع والطاعة لمحمد بن سليمان‏.‏

ثم أمر الخليفة محمد بن سليمان بالتوجه إلى مصر لقتال هارون بن خمارويه صاحب الترجمة فسار محمد بن سليمان بمن معه في شهر رجب وكتب إلى دميانة غلام يا زمان وهو يومئذ أمير البحرأن يقفل بمراكبه إلى مصر وسار الجيش قاصدا دمشق فلما قربوا منها تلقاهم بدر وفائق في جميع جيشهما لما في نفوسهما من هارون حسبما قدمناه من تقديم من تقدم ذكره عليهما وصاروا مع محمد بن سليمان جيشا واحدا وساروا نحو مصر فآتصلت أخبارهم بهارون بن خمارويه هذا فتهيأ لقتالهم وجمع العساكر وأمر بمضربه فضرب بباب المدينة بعد ان نعق في جنده وأمرهم بالتأهب للرحيل فاستعدوا ثم رحلوا إلى العباسة يريدون الشأم وتربص هارون بالعباسة أياما وكتب لبدروفائق يستعطفهما ويذكر لهما الحرمة وما يجب عليهما من حفظ ذمام الماضين من أبيه وجده وصارت كتبه صادرة إليهم وإلى القواد بذلك فبينما هو ذات ليلة بالعباسة وقد شرب وثمل ونام امنا في مضربه إذ وثب عليه بعض غلمانه فذبحه وقيل إن ذلك كان بمساعدة بعض عمومته في ذلك وأصبح الناس وأميرهم مذبوح وقد تفرقت الظنون في قاتله فنهض عمه شيبان بن أحمد بن طولون ودعا لنفسه وضمن للناس حسن القيام بأمر الدولة والإحسان لمن ساعده فبايعه الناس على ذلك انتهى‏.‏

وقد ذكر بعضهم قصة هارون هذا بطريق آخرقال واستمر هارون هذا في إمرة مصر من غير منازع لكن أحوال مصر كانت في أيامه مضطربة إلىأن ورد عليه الخبر بموت الخليفة المعتضد بالله في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين وبويع لابنه محمد المكتفي بالخلافة ثم خرج القرمطي بالشأم في سنة تسعين فجهز هارون لحربه القواد في جيش كبير فهزمهم القرمطي ثم وقع بين هارون وبين الخليفة المكتفي وحشة وتزايدت إلى أن أرسل المكتفي لحربه محمد بن سليمان الكاتب فسار محمد بن سليمان من بغداد إلى أن نزل حمص وبعث بالمراكب من الثغور إلى سواحل مصر وسار هو حتى نزل بفلسطين فتجهز هارون أيضًا لقتال محمد بن سليمان المذكور وسير المراكب في البحر لحربه وفيها المقاتلة حتى التقوا بمراكب محمد بن سليمان وقاتلوهم فآنهزموا وكان القتال في تنيس وملك أصحاب محمد بن سليمان تنيس ودمياط وكان هارون قد خرج من مصر يوم التروية لقتال محمد بن سليمان فلما بلغه الخبر توجه إلى العباسة ومعه أهله وأعمامه في ضيق وجهد فتفرق عنه كثير من أصحابه وبقي في نفر يسير وهو مع ذلك متشاغل باللهو والسكر فاجتمع عماه شيبان وعدي آبنا أحمد بن طولون على قتله فدخلا عليه وهو ثمل فقتلاه ليلة الأحد لإحدى عشرة بقيت من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين وسنه يومئذ آثنتان وعشرون سنة وكانت ولايته على مصر ثماني سنين وثمانية أشهر وأيامأ وتولى عمه شيبان مصر بعده وقال سبط ابن الجوزي في تاريخه وفيها يعني سنة آثنتين وتسعين ومائتين في صفر سار محمد بن سليمان إلى مصر لحرب هارون بن خمارويه وخرج إليه هارون في القواد فجرت بينهم وقعات ثم وقع بين أصحاب هارون في بعض الأيام عصبية فاقتتلوا فخرج هارون ليسكتهم فرماه بعض المغاربة بسهم فقتله وتفرقوا فدخل محمد بن سليمان مصر وملكها وآحتوى على دورآل طولون وأسبابهم وأخذهم جميعًا وكانوا بضعة عشر رجلا فقيدهم وحبسهم واستصفى أموالهم وكتب بالفتح إلى المكتفي‏.‏

وقيل إن محمد بن سليمان لما قرب من مصر أرسل إلى هارون يقول إن الخليفة قد ولاني مصر ورسم أن تسير بأهلك وحشمك إلى بابه إن كنت مطيعا وبعث بكتاب الخليفة إلى هارون فعرضه هارون على القواد فأبوا عليه فخرج هارون فلما وقع المصاف صاح هارون يا منصور فقال القواد هذا يريد هلاكنا فدسوا عليه خادما فقتله على فراشه وولوا مكانه شيبان بن أحمد بن طولون ثم خرج شيبان إلى محمد مستأمنا وكتب الخليفة إلى محمد بن سليمان في إشخاص آل طولون وأسبابهم والقواد وألا يترك أحدا منهم بمصر والشأم فبعث بهم إلى بغداد فحبسوا في دار صاعد‏.‏

انتهى ما أوردناه من ترجمة هارون من عدة أقوال بخلف وقع بينهم في أشياء كثيرة‏.‏

وأما محمد بن سليمان المذكور فأصله كاتب الخادم لؤلؤ الطولوني قال القضاعي يقال إن أحمد بن طولون جلس يوما في بعض متنزهاته ومعه كتاب ينظر فيه وإذا بشاب قد أقبل فالتفت أحمد إلى لؤلؤ الطولوني وقال اذهب وأتني برأس هذا الشاب فنزل إليه لؤلؤ وسأله من أي بلد هو وما صنعته فقال من العراق من أبناء الكتاب فقال له وما أتيت تطلب قال‏:‏ رزقا فعاد لؤلؤ إلى أحمد بن طولون فقال له ضربت عنقه فسكت فأعاد عليه القول فسكت فآستشاط أحمد بن طولون غيظا ثم أمره بقتله فقال لؤلؤ يا مولاي بأي ذنب تقتله فقال‏:‏ إني أرى في هذا الكتاب من منذ سنين أن زوال ملك ولدي يكون على يد رجل هذه صفته فقال يا مولاي أو هذا صحيح قال هذا الذي رأيته وتفرسته فقال يا مولاي لا يخلو هذا الأمر من أن يكون حقا أو كذبا فإن كان كذبا فما لنا والدخول في دم مسلم وإن كان حقا فلعلنا نفعل معه خيرا عله يكافىء به يوما وإن كان الله قدر ذلك فإنا لا نقدر على قتله أبدا فسكت أحمد بن طولون فأضافه لؤلؤ إليه وكان هذا الشاب يسمى محمد بن سليمان الكاتب الحنيفي منسوب إلى حنيفة السمرقندي فلم تزل الأيام تنتقل بمحمد المذكور والدهر يتصرف فيه إلى أن بقي ببغداد قائدا من جملة القواد وجرى من أمره ما تقدم ذكره من قتال القرامطة وهارون صاحب مصر إلى أن ملك الديار المصرية وأمسك الطولونية وخرب منازلهم وهدم القصر المسمى بالميدان الذي كان سكن أحمد بن طولون وتتبع أساسه حتى أخرب الديار ومحا الآثار ونقل ما كان بمصر من ذخائر بني طولون إلى العراق وقال صاحب كتاب الذخائر إن محمد بن سليمان المذكور رجع إلى العراق في سنة اثنتين وتسعين ومائتين ومعه من ذخائر بني طولون أموال عظيمة يقال إنه كان معه أكثر من ألف ألف دينار عينأ وأنه حمل إلى الخليفة الإمام المكتفي من الذخائر والحلي والفرش أربعة وعشرين ألف حمل جمل وحمل آل طولون معه إلى بغداد وأخذ محمد بن سليمان لنفسه وأصحابه غير ذلك مالا يحصى كثرة ولما وصل محمد بن سليمان إلى حلب متوجهًا إلى العراق كتب الخليفة المكتفي إلى وصيف مولى المعتضد أن يتوكل بإشخاص محمد بن سليمان المذكور فأشخصه وصيف المذكور إلى الحضرة فأخذه المكتفي وقيده وصادره وطالبه بالأموال التي أخذها من مصر ولم يزل محمد بن سليمان معتقلا إلى أن تولى آبن الفرات للخليفة المقتدر جعفر فأخرجه إلى قزوين واليًا على الضياع والأعشار بها‏.‏

يأتي ذكر محمد بن سليمان هذا ثانيأ بعد ذلك في